محمد الحيدري يكتب: إلى الله… مروراً بعليٍّ والحسين !
26-07-08 14:16:00
بقلم الكاتب محمد علي الحيدري

 

قبل أن يغيب الجسد في التراب، كان لا بد أن يمر على المكان الذي تعلّم منه معنى الوقوف، ومعنى التضحية، ومعنى أن تكون الحياة كلها موقفاً لله.

 

كانت الزيارة الأخيرة إلى النجف وكربلاء أكثر من وداع. كانت عودة الروح إلى منابعها الأولى. كأن الجسد، وقد أنهكته سنوات العمر والجهاد، أراد أن يقول للإمام علي عليه السلام: “كل ما حاولت أن أكونه، تعلمته من عدالتك”.
وأن يهمس للإمام الحسين عليه السلام: “وكل ما صبرت عليه، استمددته من كربلائك”.
هناك، عند ضريح أمير المؤمنين، لا يقف الزائر أمام قبر، بل أمام الميزان الذي توزن به الأرواح. وحين يصل إليه إنسان بعد رحلة عمر طويلة، فإنه لا يحمل معه من الدنيا إلا عمله، ولا يصطحب سوى إخلاصه، ولا يتحدث بلسان الكلمات، بل بلسان العمر كله.

ثم تمضي القافلة إلى كربلاء…

 

إلى المدينة التي لا يدخلها المؤمن كما يدخل المدن، بل كما يدخل قلبه. هناك، لا يسأل الحسين عليه السلام أحداً:
ماذا ربحت؟
بل يسأله بصمته الأبدي:
ماذا بذلت؟
ولذلك بدت تلك الزيارة الأخيرة وكأنها اكتمال دائرة بدأت منذ عقود. فمن أحب علياً لا بد أن ينتهي إليه، ومن عاش على نهج الحسين لا بد أن تكون كربلاء آخر محطات شوقه في هذه الدنيا.

في العرفان الإسلامي، يقال إن الأرواح تنجذب في لحظات الوداع إلى أكثر الأماكن شبهاً بحقيقتها. فالروح التي عاشت تتغذى على ولاية علي، وتستمد عزيمتها من الحسين، تبحث عنهما قبل أن تعبر إلى العالم الآخر. وكأنها تريد أن تستودع عندهما كل التعب، وكل المسؤولية، وكل ما أثقل القلب خلال رحلة التكليف.

يا لها من صورة مهيبة…

 

جسدٌ صامت، لكنه يقول أكثر مما تقوله الخطب.
ونعشٌ محمول على الأكتاف، لكنه في الحقيقة محمول على تاريخ طويل من الإيمان والقناعة.
وطريقٌ يمتد بين النجف وكربلاء، ليس طريقاً جغرافياً، بل طريقاً روحياً سلكه الأولياء والعلماء والشهداء والعاشقون عبر القرون.
إنها ليست زيارة وداع للإمامين، فهما لا يودَّعان، بل هي طلب جوار. وشتان بين من يدفن في الأرض، ومن يودع قلبه أولاً عند علي، وروحه عند الحسين.

لعل أجمل ما في المشهد أن الصمت كان أبلغ من كل الكلمات. فلم يكن ثمة خطاب سياسي، ولا بيان، ولا شعار. كان هناك معنى واحد يتقدم كل المعاني: أن الإنسان، مهما علت مكانته في الدنيا، ينتهي باحثاً عن باب الرحمة، وعن شفاعة الأولياء، وعن تلك الطمأنينة التي لا يمنحها إلا القرب من الله.

وكأن المشهد كله كان يردد الآية الكريمة: "يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ، ارْجِعِي إِلَىٰ رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً".

وهكذا، لم يكن مرور الجثمان على مرقدي أمير المؤمنين والحسين عليهما السلام محطةً في طريق التشييع، بل كان خاتمة سيرةٍ اختارت أن تودع الدنيا من البوابتين اللتين دخل منهما النور إلى وجدانها.

 

ففي النجف تجدد العهد مع العدالة التي لا تساوم، وفي كربلاء اكتمل اللقاء مع التضحية التي لا تنحني.
وما بين علي والحسين، تمتد الطريق الأقرب إلى الله، حيث لا يبقى من الإنسان إلا صدق نيته، ونقاء قلبه، وأثر خطاه في نصرة الحق.
هناك، تسكت الألسن، ويتكلم العمر كله، وتغدو الدموع لغةً لا تحتاج إلى ترجمان، لأن الأرواح وحدها تعرف كيف تقرأ معنى العودة الأخيرة إلى البيتين اللذين ما زالا، منذ أربعة عشر قرناً، ميناء كل قلبٍ عرف الله فأحب أولياءه، وأحبهم لأنهم كانوا أقرب الخلق إليه.