فاطمة الصمادي تكتب: هكذا قرأ الشهيد لاريجاني مشروع واشنطن وتل أبيب لتغيير النظام
26-06-26 14:15:00
فاطمة الصمادي

 

فاطمة الصمادي: كاتبة وخبيرة في الشؤون الإيرانية
مؤخرا تم نشر حديث مسجل للدكتور علي لاريجاني رحمه الله، يبدو أنه كان في جلسة داخلية يقيم فيه حرب الـ12 يوما التي شنت على إيران في 2025، تضمن الحديث الكثير من النقاط الهامة،  رأيت من الجيد تلخيصها هنا:
يرى لاريجاني أن الحرب (حرب الـ12 يوما) ضد إيران لا يمكن فهمها بوصفها مواجهة محدودة مرتبطة بالملف النووي فحسب، بل باعتبارها جزءًا من مشروع استراتيجي أوسع تقوده الولايات المتحدة بالشراكة مع إسرائيل، ويهدف إلى إعادة تشكيل البيئة السياسية والأمنية في إيران والمنطقة. فمن خلال قراءة السياق والتصريحات الصادرة عن المسؤولين الأميركيين والإسرائيليين، يتضح أن الضربات العسكرية لم تكن سوى أداة ضمن مخطط أشمل يستهدف تقويض بنية النظام السياسي الإيراني، وإرباك المجال الأمني الداخلي، وخلق شروط تؤدي إلى تفكك العلاقة بين الدولة والمجتمع.

وفي هذا الإطار، يرفض لاريجاني السردية الغربية التي حصرت الحرب في منع إيران من امتلاك السلاح النووي، معتبرًا أن هذه الحجة ليست سوى غطاء سياسي وأخلاقي لتبرير مشروع تغيير النظام. ويستند في ذلك إلى تصريحات مباشرة لمسؤولين إسرائيليين وأميركيين تحدثوا صراحة عن إسقاط الجمهورية الإسلامية، أو عن اغتيال القيادة، أو عن دفع المجتمع الإيراني نحو الانقسام الداخلي. ومن ثم، فإن المسألة النووية، وفق هذا التصور، لم تكن السبب الحقيقي للحرب، بل مجرد مدخل وظيفي لإضفاء شرعية دولية على العدوان.

ويذهب لاريجاني إلى أن هذه الحرب كشفت، مرة أخرى، الطبيعة البنيوية للنظام الدولي المعاصر، حيث تتراجع القواعد القانونية والمؤسسات متعددة الأطراف أمام منطق القوة. فصمت مجلس الأمن، وعجز الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن إدانة استهداف المنشآت النووية الإيرانية، يؤكدان ـ من وجهة نظره ـ أن المؤسسات الدولية لم تعد قادرة على حماية الدول الأضعف، بل باتت جزءًا من آليات الهيمنة التي تديرها القوى الكبرى. وهو ما يعيد الاعتبار إلى مقولة أن النظام الدولي الراهن أقرب إلى “غابة سياسية” تحكمها موازين القوة لا قواعد العدالة.

ومن زاوية التقييم الاستراتيجي، ميز لاريجاني بين الخسائر التكتيكية والنتائج الاستراتيجية. فرغم ما تكبدته إيران من خسائر بشرية ومادية، بما في ذلك استشهاد قادة عسكريين وعلماء بارزين، إلا أن الهدف المركزي للحرب ـ والمتمثل في إحداث انهيار داخلي أو انقسام شعبي ـ لم يتحقق. بل على العكس، أدت الحرب إلى تعزيز التماسك الوطني، وإعادة إنتاج التضامن بين القيادة والمجتمع، وتكريس صورة الدولة القادرة على امتصاص الضربة والرد عليها.
اعتبر  لاريجاني أن أحد أهم مخرجات الحرب تمثل في ارتفاع مستوى الشرعية الرمزية والإقليمية لإيران، إذ أظهرت المواجهة قدرة طهران على الصمود في وجه تحالف دولي واسع، وهو ما عزز مكانتها في المخيال السياسي الإسلامي والإقليمي. كما أن الدعم الذي صدر من مرجعيات دينية ومؤسسات إسلامية متعددة ـ شيعية وسنية ـ يعكس، بحسبه، انتقال المواجهة من بعدها الوطني الضيق إلى فضاء أوسع يرتبط بإعادة تعريف موازين القوة في المنطقة.
وفي المحصلة، خلص لاريجاني إلى أن الحرب أثبتت أن بقاء الدول في النظام الدولي الحالي لا يُصان عبر الالتزام بالقواعد وحدها، بل عبر امتلاك عناصر القوة الصلبة والقدرة على الردع. فالسيادة، في هذا السياق، ليست مفهومًا قانونيًا مجردًا، بل هي نتاج مباشر للقوة والقدرة على فرض الكلفة على الخصوم. ومن هنا، فإن الدرس الأبرز للحرب، في قراءته، هو أن امتلاك أدوات الردع لم يعد خيارًا سياسيًا، بل شرطًا وجوديًا لضمان الاستقرار والبقاء.