حرب ترامب على أجهزة الاستخبارات.. تطهير الدولة العميقة أم تفكيك منظومة الأمن الأمريكي؟
26-06-24 15:26:00

العهد/ ترجمة روسي

في مشهد يعكس عمق الانقسامات داخل مؤسسات الحكم الأمريكية، تشهد أجهزة الاستخبارات في الولايات المتحدة واحدة من أوسع عمليات إعادة الهيكلة منذ تأسيسها بعد هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001. وتأتي هذه التطورات في ظل سعي الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى إحكام السيطرة على المؤسسات الأمنية وإبعاد الشخصيات التي يعتبرها جزءاً من ما يُعرف بـ”الدولة العميقة”، وهي الشبكات البيروقراطية والأمنية التي يتهمها منذ سنوات بالعمل ضد توجهاته السياسية.

وفي تقرير أعدته الصحفية كسينيا لوغينوفا ونشرته صحيفة "إزفستيا" الروسية وترجمته "العهد"، يجري تسليط الضوء على حملة الإقالات الواسعة داخل جهاز الاستخبارات الوطنية الأمريكية، وما تثيره من مخاوف بشأن مستقبل المنظومة الأمنية الأمريكية وقدرتها على أداء مهامها في ظل الصراعات السياسية المتصاعدة داخل واشنطن.

تشير الكاتبة إلى أن القائم بأعمال مدير الاستخبارات الوطنية الأمريكية بيل بولتي، الذي عُيّن عقب استقالة المديرة السابقة تولسي غابارد، بدأ بتنفيذ موجة واسعة من عمليات التسريح والإقصاء الوظيفي داخل الجهاز بناءً على توجيهات مباشرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وتوضح الكاتبة أن مصادر نقلت لشبكة CNN أن عمليات الفصل تستهدف بالدرجة الأولى الموظفين الذين يُنظر إليهم داخل البيت الأبيض باعتبارهم جزءاً من “الدولة العميقة”، وهي التسمية التي يستخدمها ترامب لوصف شبكات النفوذ البيروقراطية والأمنية المعارضة له داخل مؤسسات الدولة.

ويلفت التقرير إلى أن عدد المفصولين لم يُعلن رسمياً حتى الآن، إلا أن التقديرات تشير إلى احتمال شمول مئات الموظفين، بمن فيهم العاملون في المركز الوطني لمكافحة الإرهاب والمركز الوطني لمكافحة التجسس والأمن.

وتتابع الكاتبة موضحة أن بولتي يشرف حالياً على ثمانية عشر جهازاً استخباراتياً أمريكياً، رغم أنه لا يمتلك خلفية مهنية في العمل الاستخباري، إذ جاء من قطاع المال والعقارات قبل انضمامه إلى إدارة ترامب.

ويشرح التقرير أن استقالة تولسي غابارد أُعلنت رسمياً لأسباب عائلية مرتبطة بإصابة زوجها بنوع نادر من سرطان العظام، إلا أن العديد من المحللين يعتقدون أن الخلافات المتراكمة بينها وبين البيت الأبيض كانت عاملاً أساسياً في رحيلها.

وتشير الكاتبة إلى أن غابارد تبنت مواقف مستقلة نسبياً في عدد من ملفات الأمن القومي، ولا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وجدوى التصعيد العسكري ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية، الأمر الذي جعلها شخصية غير مريحة داخل إدارة تعطي الأولوية للولاء السياسي للرئيس.

ويلاحظ التقرير أن أولى مؤشرات الخلاف ظهرت عندما أكدت غابارد خلال جلسة استماع في مجلس الشيوخ أن "مجتمع الاستخبارات الأمريكي لا يعتقد أن إيران تعمل حالياً على تطوير سلاح نووي"، وهو تقييم تعارض مع الأجواء السياسية التي كانت تسود واشنطن آنذاك وتدفع نحو التصعيد ضد طهران.

كما يلفت الكاتب إلى أن غابارد حاولت في المقابل إثبات ولائها للرئيس الأمريكي عبر دعم تحقيقات تتعلق بملفات حساسة بالنسبة لترامب، من بينها الادعاءات المرتبطة بتدخل روسيا في انتخابات عام 2016، إضافة إلى إطلاق مراجعة واسعة لأكثر من 120 مختبراً بيولوجياً تمولها الولايات المتحدة في الخارج، بينها أربعون مختبراً داخل أوكرانيا.

ويشير التقرير إلى أن تعيين بيل بولتي أثار اعتراضات حتى داخل الحزب الجمهوري نفسه، حيث شكك عدد من أعضاء مجلس الشيوخ في مؤهلاته المهنية، مؤكدين أن المنصب يتطلب خبرات أمنية واستخباراتية غير متوافرة لديه.

فقد أعرب السيناتور جون كورنين عن عدم وجود أدلة تثبت كفاءة بولتي لشغل المنصب، بينما أبدت السيناتورة ليزا موركوفسكي استغرابها من اختياره، وأشار السيناتور بيل كاسيدي إلى افتقاره للمؤهلات الواضحة اللازمة لإدارة مجتمع الاستخبارات الأمريكي.

ويتابع الكاتب موضحاً أن المخاوف لم تقتصر على الجمهوريين، بل امتدت إلى قيادات الحزب الديمقراطي في لجان الاستخبارات بمجلسي الشيوخ والنواب، الذين حذروا من أن التقليصات الواسعة قد تضر بالأمن القومي الأمريكي.

وفي رسالة مشتركة وجهها السيناتور مارك وارنر والنائب جيم هايمز إلى بولتي، أكدا أن افتقاره للخبرة يجعل من الصعب تصور قدرته على اتخاذ قرارات مدروسة بشأن إعادة هيكلة جهاز بهذا الحجم والتعقيد خلال فترة قصيرة.

كما شدد المشرعان على أن إجراء تغييرات هيكلية واسعة أو تسريح أعداد كبيرة من الموظفين دون التشاور مع الكونغرس يمثل خطوة غير مسؤولة قد تؤثر سلباً على أداء المؤسسة.

ويلفت الكاتب إلى أن منتقدي هذه السياسة يخشون من أن تؤدي عمليات الإقالة الحالية إلى إضعاف الجهاز الذي أُنشئ أساساً بعد هجمات 11 أيلول لمنع تكرار مثل تلك الهجمات مستقبلاً.

من جهة أخرى، يرى المحلل السياسي الأمريكي كريستيان داتوك أن ترامب قد يستغل فترة الإدارة المؤقتة لبولتي من أجل تقليص دور جهاز الاستخبارات الوطنية بشكل جذري، وربما الوصول إلى مرحلة تفكيكه عملياً. ويشير داتوك إلى أن مدير وكالة الاستخبارات المركزية السابق جون راتكليف كان ينظر إلى الجهاز على أنه مؤسسة بيروقراطية متضخمة تفتقر إلى الصلاحيات التنفيذية الحقيقية، وتعمل أساساً كهيئة تنسيق بين الأجهزة المختلفة.

ويختم الكاتب بالإشارة إلى أن ما يجري داخل أجهزة الاستخبارات الأمريكية يتجاوز كونه عملية إدارية عادية، بل يعكس صراعاً عميقاً حول طبيعة الدولة الأمريكية نفسها. فبينما يقدم ترامب هذه الخطوات باعتبارها حملة لإزالة نفوذ البيروقراطية غير المنتخبة وإعادة السلطة إلى المؤسسات السياسية المنتخبة، يرى معارضوه أنها قد تؤدي إلى إضعاف إحدى أهم ركائز الأمن القومي الأمريكي وإدخال أجهزة الاستخبارات في دوامة من الاستقطاب السياسي غير المسبوق، في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة تحديات دولية متزايدة وتراجعاً ملحوظاً في قدرتها على فرض هيمنتها التقليدية على النظام الدولي.