اقتصاد مُقترض ودولة مُعطّلة… حين يصبح الفساد بديلاً عن الإصلاح
26-06-21 22:27:00
الدكتور احمد علي الكناني

في السنوات الأخيرة دخل العراق في دائرة مالية شديدة الحساسية حيث بات اللجوء إلى الاقتراض الخارجي والداخلي وسيلة متكررة لسد العجز في الموازنة وتأمين رواتب الموظفين والمتقاعدين وتمويل الحد الأدنى من الالتزامات الحكومية. هذه المعادلة رغم أنها تبدو إجرائية في ظاهرها إلا أنها تكشف خللاً أعمق في بنية إدارة الدولة وتطرح سؤالاً مركزياً: كيف لبلد يملك ثروة نفطية ضخمة أن يصل إلى مرحلة الاستدانة من أجل دفع مستحقات أساسية لمواطنيه؟ الإشكالية لا تتعلق فقط بنقص السيولة أو تقلب أسعار النفط بل ترتبط بجذر أعمق يتمثل في سوء إدارة الموارد العامة وتراكم الفساد المالي والإداري الذي حوّل جزءاً كبيراً من الثروة الوطنية إلى خارج الدورة الاقتصادية الفعلية عبر الهدر والتهريب والمشاريع غير المنتجة. إن خطورة هذا المسار لا تكمن في الاقتراض بحد ذاته فالدول قد تلجأ إلى الدين العام كأداة اقتصادية طبيعية ضمن حدود مدروسة وإنما في تحوّل الاقتراض إلى بديل عن الإصلاح. فبدلاً من استرداد الأموال المنهوبة وتفعيل أدوات الرقابة وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة يتم اختيار الطريق الأسهل سياسياً: الاقتراض لتأجيل المشكلة بدل حلها. هنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً: دولة تستدين لتدفع رواتب موظفيها بينما تبقى ملفات فساد بمليارات الدولارات عالقة دون حسم جدي وكأن المال العام المفقود خارج حسابات المعالجة رغم أنه يمثل الحل الأكثر مباشرة لأزمة العجز المالي. إن استمرار هذه المعادلة يضعف مفهوم الدولة نفسها لأنه يربط الاستقرار الاجتماعي بالديون الخارجية ويجعل القرار الاقتصادي مرهوناً بشروط المقرضين في حين تبقى الموارد الداخلية غير مستثمرة بشكل فعال. كما أنه يخلق حالة من الاعتماد البنيوي على الاقتراض بدل بناء اقتصاد منتج قادر على تمويل ذاته. والأخطر من ذلك أن هذا النهج يكرّس شعوراً عاماً بعدم العدالة حين يرى المواطن أن الدولة عاجزة عن استرداد أمواله المسروقة لكنها قادرة على توقيع قروض جديدة تضاف إلى عبء الأجيال القادمة. وهنا تتعمق فجوة الثقة بين المجتمع ومؤسسات الحكم. إن الخروج من هذه الحلقة لا يتطلب حلولاً نظرية معقدة بقدر ما يحتاج إلى قرار سياسي حقيقي يضع مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة في صدارة الأولويات الاقتصادية لا في هامش الخطاب العام. فكل دين خارجي جديد في ظل استمرار نزيف المال العام هو تأجيل للأزمة وليس علاجاً لها. كما أن إعادة بناء الاقتصاد العراقي تتطلب الانتقال من منطق “إدارة العجز” إلى منطق “إدارة الثروة” عبر تفعيل القطاعات الإنتاجية وتقليل الهدر وإصلاح النظام المالي واستعادة الأموال المنهوبة باعتبارها جزءاً أساسياً من الحل لا ملفاً قضائياً مؤجلاً. في النهاية لا يمكن لدولة أن تبني استقرارها على الاقتراض المستمر بينما مواردها تتسرب دون محاسبة. فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تتوقف الدولة عن اعتبار المال العام قضية ثانوية وتتعامل معه باعتباره أساس وجودها واستمرارها.