العهد/ ترجمة روسي
في هذا المقال المنشور في وكالة ريغنوم (Regnum) الروسية، يتناول الكاتب كامران غاسانوف، تصاعد التنافس الجيوسياسي بين تركيا والكيان الصهيوني في ظل التحولات الكبرى التي شهدها الشرق الأوسط بعد الحرب على غزة والمواجهة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية.
يرى الكاتب في مقاله الذي ترجمته "العهد"، أن الكيان الصهيوني، منذ انطلاق عملياته العسكرية في غزة وما رافقها من عشرات الآلاف من الضحايا، تحول إلى العدو الأول بالنسبة لتركيا. وفي المقابل، يعتبر عدد من الخبراء الإسرائيليين أن أنقرة أصبحت، بعد حركة حماس وحزب الله والجمهورية الإسلامية الإيرانية، من أخطر التهديدات التي تواجه أمن دولتهم.
ويوضح الكاتب أن المفارقة اللافتة تكمن في أن التهديدات الرئيسية التي واجهت “إسرائيل” عند تأسيسها كانت تأتي من الدول العربية، مثل سوريا ومصر والأردن والعراق وحتى السعودية، بينما أصبحت المنافسة الأساسية اليوم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية ذات الامتداد الإقليمي الواسع من لبنان إلى اليمن، ومع تركيا السنية ذات الطابع القومي التركي.
ويتابع الكاتب أن العلاقات التركية الإسرائيلية، رغم عدم وصولها إلى مواجهة عسكرية مباشرة، باتت تتسم بمستوى مرتفع من العداء السياسي والإعلامي يشبه إلى حد كبير أجواء الدول المتحاربة، الأمر الذي يجعل توصيف العلاقة بـ”الحرب الباردة” أمراً واقعياً.
ويلفت إلى أن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صعّد هجومه اللفظي ضد رئيس وزراء الكيان الصهيوني بنيامين نتنياهو، مؤكداً أن من يسير على خطى هتلر سينتهي كما انتهى الطغاة عبر التاريخ، في إشارة إلى الجرائم المرتكبة في قطاع غزة. كما وصف أردوغان الكيان الصهيوني في ظل الحكومة الحالية بأنه “مصنع لإنتاج الفوضى وعدم الاستقرار”.
ويشرح الكاتب أن المقارنات مع هتلر تمثل إحدى أكثر القضايا حساسية لدى الإسرائيليين، تماماً كما تُعد اتهامات الإبادة الجماعية للأرمن من أكثر الملفات حساسية بالنسبة لتركيا.
ويشير الكاتب إلى أن مكتب نتنياهو لم يتأخر في الرد على تصريحات أردوغان، حيث اتهمه بممارسة سياسات قمعية ضد الأكراد، ودعم حركة حماس، وسجن المعارضين السياسيين، معتبراً أنه آخر شخص يحق له تقديم الدروس الأخلاقية للكيان الصهيوني.
ويلاحظ الكاتب أن أردوغان وصف الحكومة الإسرائيلية قبل ذلك بيوم واحد بأنها “شبكة إجرامية” بسبب هجماتها على سوريا ولبنان، معتبراً أنها تشكل تهديداً مباشراً للأمن التركي. ويضيف أن الحديث عن لبنان يرتبط أكثر بالجمهورية الإسلامية الإيرانية ودعمها لحزب الله، بينما تمثل سوريا مجالاً حيوياً مباشراً للنفوذ التركي.
ويتابع الكاتب أن الكيان الصهيوني يواصل احتلال الجولان السوري، وينفذ عمليات عسكرية متكررة في الجنوب السوري، فضلاً عن شن غارات جوية على دمشق ومواقع كانت مرتبطة سابقاً بإيران وأصبحت اليوم ضمن نطاق النفوذ التركي.
ويشير إلى أن ميزان القوى بين الطرفين يتميز بامتلاك الكيان الصهيوني للسلاح النووي، في حين تعتمد تركيا على جيش كبير وبرامج متسارعة للتحديث العسكري تشمل بناء فرقاطات حديثة ومقاتلات جديدة، إضافة إلى تطوير أول صاروخ بالستي عابر للقارات يحمل اسم “يلديرم خان”، وأول حاملة طائرات تركية من مشروع “موغيم”.
ويرى الكاتب أن جبهات التنافس بين تركيا والكيان الصهيوني أصبحت متعددة، بدءاً من سوريا وفلسطين، حيث تدعم أنقرة حركة حماس، وصولاً إلى الملف الكردي الذي يشكل إحدى نقاط الاحتكاك الحساسة بين الطرفين.
ويكشف الكاتب أن جهاز “الموساد” حاول خلال الحرب ضد إيران استقطاب مجموعات كردية (عراقية) للمشاركة في عمليات ضد الجمهورية الإسلامية، إلا أن تركيا أحبطت هذه الخطط عبر توجيه تهديدات مباشرة لتلك الجماعات في حال مشاركتها في أي تحرك ضد طهران.
كما يلفت الكاتب إلى أن الصراع يمتد إلى منطقة القرن الإفريقي، حيث تدعم تركيا الحكومة الصومالية وتمتلك هناك أكبر قاعدة عسكرية خارج حدودها، بينما يسعى الكيان الصهيوني إلى توسيع نفوذه عبر علاقاته مع إقليم “أرض الصومال”.
وينقل الكاتب عن أستاذ الجغرافيا السياسية في جامعة يدي تبه، فركان كايا، حديثه عن مشروع “إسرائيل الكبرى”، موضحاً أن أحد أهدافه يتمثل في السيطرة على مصادر المياه الحيوية في المنطقة، ولا سيما نهري الليطاني والأردن، إضافة إلى التحكم بمراكز الطاقة في شرق البحر المتوسط.
ويضيف الكاتب أن المشروع يشمل أيضاً توسيع حقل الغاز “ليفياثان”، وهو ما يربط به محاولات زعزعة الاستقرار في لبنان، فضلاً عن مشروع إنشاء قناة بن غوريون الممتدة من غزة إلى خليج العقبة، إضافة إلى دعم مشاريع مرتبطة بالقضية الكردية عبر منظمات كردية مسلحة.
ويشير الكاتب إلى أن وسائل الإعلام الإسرائيلية تنظر بقلق متزايد إلى عقيدة “الوطن الأزرق” التي تسعى أنقرة إلى ترسيخها، والتي تهدف إلى تعزيز النفوذ التركي في البحرين المتوسط والأسود وبحر إيجه.
وينقل الكاتب عن تقرير بثته القناة الإسرائيلية الثالثة عشرة قولها إن صعود تركيا كقوة مهيمنة يمثل تحدياً معقداً وغير مسبوق بالنسبة للكيان الصهيوني.
كما يلفت الكاتب إلى أن الولايات المتحدة تلعب دوراً مهماً في احتواء التوتر بين الطرفين، إذ إن إدارة دونالد ترامب تتعامل بحساسية أكبر مع أي تصعيد محتمل بين تركيا والكيان الصهيوني مقارنة بملفات أخرى في المنطقة.
ويتابع الكاتب أن الحرب الأخيرة ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية أوجدت بُعداً جديداً للتنافس بين أنقرة وتل أبيب، يتمثل في الصراع على طرق نقل النفط والغاز. ففي الوقت الذي يدفع فيه الكيان الصهيوني باتجاه إحياء مشروع الممر الاقتصادي الهندي ـ الشرق أوسطي ـ الأوروبي (IMEC)، تطرح تركيا مشاريع بديلة تعتمد على مرور خطوط الطاقة عبر الأراضي السورية.
ويشير الكاتب إلى أن تقريراً حديثاً لجهاز الاستخبارات الوطنية التركية (MIT) خلص إلى أن الحرب التي خاضتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية لمدة أربعين يوماً أدت إلى تغييرات جوهرية في ميزان القوى الإقليمي.
ويلفت الكاتب إلى أن العديد من الساسة الأتراك اعتبروا أن العدوان على إيران قد يكون مقدمة لاستهداف تركيا مستقبلاً، وهو ما دفعهم إلى الدعوة لتطوير الصناعات العسكرية ومنظومات الدفاع الجوي وحماية البنية التحتية الاستراتيجية.
ويختم الكاتب بالإشارة إلى أنه رغم اتساع حجم المنافسة الاستراتيجية بين أنقرة وتل أبيب، فإن جهاز الاستخبارات التركي أوصى حكومته بالحفاظ على قنوات الاتصال مع الكيان الصهيوني، إدراكاً لحساسية المرحلة وتعقيداتها، ولتفادي انزلاق المنطقة إلى صراع أوسع قد يعيد رسم خريطة الشرق الأوسط بأكملها.
