العهد/ ترجمة روسي
في مقال نشرته وكالة "ريا نوفوستي" الروسية وترجمته "العهد"، يرى الكاتب دميتري كوسيريف أن الولايات المتحدة بدأت تدرك تدريجياً حجم المشكلات التي صنعتها بنفسها، وتحاول اليوم إيجاد حلول لأزمات كانت هي من أوجدها عبر عقود من الهندسة الاجتماعية والتلاعب بالمنظومة القيمية للمجتمع الأمريكي، في وقت تتراجع فيه قدرة واشنطن على إدارة أزماتها الداخلية والخارجية بالتوازي.
يقول الكاتب إن اهتمام العالم ينصب اليوم على الحرب ضد إيران، وما يرافقها من عمليات قتل جماعي، وتعطيل طرق التجارة العالمية، وإغلاق ممرات حيوية لنقل النفط والبضائع، فضلاً عن التدهور الاقتصادي والسياسي الذي تعيشه أوروبا. غير أنه يلفت الانتباه إلى أهمية مراقبة الأحداث التي تبدو صغيرة مقارنة بهذه التطورات الكبرى، لأنها تكشف آليات صناعة الأزمات وكيفية التعامل معها.
ويشير الكاتب إلى مدينة سياتل الأمريكية في ولاية واشنطن، التي كانت تُعرف سابقاً بـ”المدينة الزمردية” لجمالها وهدوئها، لكنها أصبحت اليوم تواجه أزمة جديدة تتمثل في تزايد تدفق أعداد كبيرة من الأشخاص المنتمين إلى مجتمع المثليين والمتحولين جنسياً القادمين من ولايات جمهورية مثل تكساس وغيرها.
ويوضح الكاتب أن هؤلاء ينتقلون إلى سياتل بحثاً عن بيئة أكثر تقبلاً لهم بعد شعورهم بعدم الارتياح في الولايات المحافظة، غير أن السلطات المحلية والقوى السياسية الليبرالية في المدينة لا تبدو متحمسة كثيراً لاستقبال هذه الأعداد المتزايدة.
ويشرح الكاتب أن المشكلة الأساسية ليست اجتماعية بقدر ما هي مالية، إذ تتولى منظمات محلية مرتبطة بهذه الفئات استقبال الوافدين الجدد، ثم تطالب السلطات البلدية بتغطية النفقات. ورغم حصول المدينة على تمويلات فدرالية لبرامج الرعاية الصحية المتعلقة بالصحة الجنسية، إضافة إلى تبرعات خاصة لإيواء المشردين من بعض هذه الفئات، فإن الموارد المتاحة لم تعد كافية مع استمرار تدفق أعداد جديدة.
ويتابع الكاتب أن النقاشات وصلت إلى حد طرح فكرة إعلان حالة الطوارئ بسبب الضغوط المتزايدة على الخدمات والموارد المحلية. ويشير الكاتب إلى أن أحد الأسباب الرئيسية وراء مغادرة هذه الفئات للولايات الجمهورية يعود إلى قيام السلطات هناك بإغلاق أو تقليص العديد من البرامج والمؤسسات التي كانت توفر دعماً مالياً وخدمات خاصة لهم، الأمر الذي جعل الانتقال إلى الولايات الليبرالية أكثر جاذبية.
ويرى الكاتب أن هذه القضية تمثل نموذجاً يمكن مراقبته لفهم نتائج السياسات التي منحت فئات معينة وضعاً اجتماعياً وإعلامياً مميزاً على مدى سنوات طويلة، حتى بات أفرادها ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم أصحاب مكانة استثنائية داخل المجتمع.
ويستشهد الكاتب بمثال من إحدى البلدات الأمريكية حيث ترفرف أعلام قوس قزح أمام المنازل بشكل دائم، باعتبار ذلك تعبيراً عن هوية أصبحت تحظى بدعم سياسي وإعلامي واسع منذ أن أقرت المحكمة العليا الأمريكية عام 2015 دستورية زواج المثليين.
ويلاحظ الكاتب أن هذا القرار جاء رغم أن استفتاءات أجريت سابقاً في ثلاثين ولاية أمريكية أظهرت مواقف شعبية مختلفة، ما يعكس وجود فجوة متزايدة بين توجهات النخب السياسية والاتجاهات الاجتماعية التقليدية داخل المجتمع الأمريكي.
ويؤكد الكاتب أن ما تشهده بعض الولايات المحافظة اليوم من تقليص للدعم المالي المخصص لهذه الفئات يعكس تحولات سياسية واجتماعية متنامية، الأمر الذي يدفع المزيد من الأفراد إلى الانتقال نحو المناطق ذات الأغلبية الليبرالية، ما يخلق ضغوطاً إضافية على تلك المناطق.
كما يلفت إلى وجود اختلاف جوهري بين النموذجين الاقتصاديين السائدين في الولايات الأمريكية. فبحسب رأيه، تعتمد المدن الليبرالية مثل سياتل على سياسات إعادة توزيع الثروة وفرض ضرائب مرتفعة لتمويل برامج اجتماعية واسعة، في حين تتبنى الولايات الجمهورية نهجاً اقتصادياً أكثر تحرراً.
ويشير الكاتب إلى أن سياتل تعاني بالفعل من خروج عدد من الشركات والاستثمارات نحو الولايات الجمهورية، ما أدى إلى تراجع الإيرادات المحلية، الأمر الذي جعل تمويل البرامج الاجتماعية أكثر صعوبة من السابق.
ويرى أن هذه الحالة تقدم نموذجاً تحذيرياً لما قد يحدث عندما تُفرض تغييرات ثقافية واجتماعية واسعة النطاق بصورة سريعة ومنظمة على المجتمع، مدعومة من قوى سياسية تسعى إلى إعادة تشكيل منظومة القيم السائدة.
ويختم الكاتب بالقول إن المفارقة تكمن في أن الولايات المتحدة، رغم كونها مصدراً للعديد من الأزمات الاجتماعية المعاصرة، أصبحت أيضاً الساحة الأولى التي تشهد نقاشات ومحاولات لإعادة تقييم هذه السياسات وتصحيح مساراتها، في حين أن العديد من الدول الأوروبية ما زالت، بحسب رأيه، بعيدة عن خوض مراجعات مماثلة أو الاعتراف بحجم التحديات التي تواجهها.
