العهد/ ترجمة روسي
يقدّم الكاتب دافيد نارمينيا عبر وكالة "ريا نوفوستي"، قراءة معمّقة لسباق التسلّح البحري الذي فتحه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في وجه الصين، في لحظة تشهد تراجعاً واضحاً لقدرة البحرية الأمريكية على فرض هيمنتها التقليدية على المحيطين الهادئ والهندي.
المقال الذي ترجمته "العهد"، يكشف حجم الفجوة الصناعية والعسكرية بين الولايات المتحدة والصين، ويسلّط الضوء على توجّه ترامب نحو “رومانسية القوة البحرية القديمة” وإحياء فكرة السفن العملاقة، في وقت أصبحت فيه الحرب الحديثة قائمة على الصواريخ البعيدة، والطائرات المسيرة، والذكاء الاصطناعي، وليس على المدافع الثقيلة والصفائح المدرعة.
التحليل يبرز أيضاً أزمة داخلية في البنتاغون — بين طموحات سياسية غير واقعية، وتراجع في قدرة الصناعة الأمريكية، مقابل تفوّق صناعي صيني هائل يفوق الولايات المتحدة بمعدل 230 مرة في القدرة على إنتاج السفن.
يقول الكاتب، بعد مشروع “القبة الذهبية”، يبدو أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يريد أن يجعل من الذهب شيئاً آخر أيضاً. فبحسب صحيفة وول ستريت جورنال، يشارك ترامب شخصياً في وضع خطط لإنشاء أسطول بحري أمريكي جديد يضم نحو 300 سفينة. تفاصيل ما يُخطط له في واشنطن، وتكاليفه المتوقعة، يعرضها تقرير "ريا نوفوستي".
تجديد شامل للأسطول
قال ترامب خلال مؤتمر لقادة الجيش في فرجينيا في سبتمبر/ أيلول الماضي: “لستُ من معجبي بعض السفن التي تبنونها. أنا شخص ذو حسّ جمالي. ولا تعجبني بعض نماذجكم من حيث التصميم. يقولون إنها ستيلث، لكنها ليست كذلك، ولا يجب أن تكون السفن قبيحة لتكون مخفية.”
هذا الانتقاد لم يكن إلا مقدمة لخطط أكثر شمولاً. فترامب يريد عملياً تجديد كامل للأسطول الأمريكي، وهي فكرة طرحها سابقاً في ولايته الأولى عندما وعد برفع عدد السفن من 284 إلى 355.
لكن إدارة بايدن تخلت لاحقاً عن هذا الهدف، فيما يبدو الجمهوريون أكثر التزاماً بتعزيز القوة البحرية بهدف مواجهة الصين.
لماذا الآن؟ الصين أولاً
السبب الأساسي هو الصين، التي أصبحت بسرعة القوة البحرية الأكبر في العالم. وفقاً لتقرير الكونغرس الأمريكي، تمتلك بكين أكثر من 370 سفينة، وسترتفع إلى 435 بحلول 2030. بينما لا يمتلك الأسطول الأمريكي اليوم سوى 296 سفينة فقط.
الأخطر أن الصين تنافس الولايات المتحدة حتى في إجمالي الحمولة البحرية، رغم امتلاك واشنطن عدداً أكبر من حاملات الطائرات. فمنذ 2019 وحتى 2023، أطلقت الصين 39 سفينة حربية بوزن إجمالي 550 ألف طن — أي أكثر بمرّة ونصف من كامل حمولة الأسطول البريطاني البالغ 399 ألف طن.
الصورة تصبح أكثر قتامة عند النظر إلى القدرة الصناعية: الصين تتفوّق على الولايات المتحدة في تصنيع السفن بمعدل 230 مرة وفقاً للتقرير نفسه.
أزمة داخلية: الأسطول الأمريكي “يتعب” من هجمات الحوثيين
بحسب الخبير البحري بريان كلارك، من معهد هادسون، يشارك ترامب بنفسه في المناقشات، فيما يعترف بعض القادة البحريين بأن الأسطول الأمريكي يعاني من مشاكل حقيقية.
يقول كلارك: “البحرية الأمريكية تجد صعوبة في التعامل مع التهديدات الحديثة، مثل هجمات الحوثيين في البحر الأحمر.”
وإذا كان الأسطول الأمريكي يعجز عن ردع الحوثيين، فكيف سيواجه الصين التي تمتلك صواريخ مضادة للسفن بمدى يصل إلى 4000 كلم؟
ماذا يريد ترامب؟ سفن عملاقة وثقيلة
تبحث واشنطن في بناء سفينة حربية ثقيلة جديدة بوزن يتراوح بين 15 و20 ألف طن، مزودة بصواريخ - including صواريخ فرط صوتية - بأعداد تفوق ما تحمله المدمرات الحالية.
لكن ترامب يتحدث بلهجة حنين إلى الماضي، مستشهداً بسفن “آيوا” العملاقة بوزن 50 ألف طن والمزوّدة بمدافع ضخمة، رغم تقاعدها منذ التسعينيات.
غير أن خبراء كثيرين يشككون في جدوى السفن الضخمة:
يقول مارك مونتغومري، الضابط السابق في البحرية الأمريكية: “رؤية ترامب الجمالية ليست معياراً لتقييم متطلبات المعركة الحديثة. السفن العملاقة غير مناسبة لعصر الصواريخ والطائرات بدون طيار.”
لماذا لا تصلح سفن “آيوا” اليوم؟
وفق تحليل "بيزنس إنسايدر"، أي مواجهة مع الصين ستشهد موجات هائلة من الصواريخ، ما يجعل السفن الكبيرة أهدافاً سهلة.
الصين تمتلك بالفعل صواريخ مضادة للسفن بعيدة المدى مثل DF-26، وتنتجها بكميات كبيرة. وفي بيئة كهذه، لا مكان لـ”الرومانسية البحرية” التي يتحدث عنها ترامب — المدافع الكبيرة، الدروع السميكة، والسفن التي “لا يوقفها شيء”.
حتى السفن الجديدة المقترحة (15–20 ألف طن) تفوق بكثير حجم المدمرات “آرلي بيرك” وطرادات “تيكونديروجا” التي لا يتجاوز وزنها 10 آلاف طن.
أسطول بلا طواقم: خطة “الجحيم” في مضيق تايوان
يخطط البنتاغون لبناء عدد كبير من السفن غير المأهولة ضمن استراتيجية أطلق عليها قائد القيادة الهندو-هادئة الأميرال سمويل بابارو اسم “المنظر الجحيمي” (Hellscape).
وقال بابارو: “أريد تحويل مضيق تايوان إلى جحيم، عبر آلاف المسيّرات والسفن بدون طواقم، لنجعل حياة العدو لا تطاق لمدة شهر.”
أسطول “ذهبي” بتكلفة خيالية
قبل تصريحات ترامب، كانت الولايات المتحدة تناقش مشروع المدمرة المستقبلية DDG x)). لكن هذا المشروع يبدو الآن مهدداً، لأن ترامب يريد ما هو أكبر وأثقل.
تبلغ تكلفة مدمرة “آرلي بيرك” 2.5–3 مليارات دولار.
أمّا السفن العملاقة المقترحة فستكلف: 4–4.5 مليارات دولار للقطعة الواحدة.
ويقدّر الخبراء أن بناء الأسطول الجديد قد يكلف 1.2–1.35 تريليون دولار—أي أكثر من كامل ميزانية الدفاع الأمريكية لعام 2026.
ومع تمويل مشروع “القبة الذهبية” الضخم للدفاع الصاروخي، يخشى محللون أن تتكرر أزمة الصناعات العسكرية الأمريكية: مشاريع تتضخم تكلفتها وتتأخر سنوات طويلة.
المقال يكشف بوضوح أن الولايات المتحدة تواجه أزمة استراتيجية وصناعية أمام صعود الصين. وبدلاً من الاعتراف بتآكل قدراتها البحرية، يهرب ترامب نحو أفكار “نوستالجية” تعود إلى زمن المدافع والصفائح الثقيلة، بينما الصين تبني أسطولاً حديثاً يعتمد على الصواريخ بعيدة المدى، الذكاء الاصطناعي، والطائرات المسيّرة.
البحرية الأمريكية اليوم ليست في موقع يسمح لها بمجاراة الصين، لا في الكمّ، ولا في القدرة الصناعية، ولا في التكتيكات الحديثة. أما مشروع ترامب، فيبدو أقرب إلى محاولة رمزية—باهظة، غير قابلة للتطبيق، وتعكس ارتباك واشنطن أكثر مما تعكس قوتها.
